السيد محمد باقر الصدر

56

دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )

جوازُ عمليّةِ الاستنباط ما دام علم الأصول يرتبط بعملية الاستنباط ويحدّد عناصرها المشتركة فيجب أن نعرف قبل كلّ شيءٍ موقف الشريعة من هذه العملية ، فهل سمح الشارع لأحدٍ بممارستها لكي يوجد مجال لوضع علمٍ لدراسة عناصرها المشتركة ؟ والحقيقة أنّ مسألة جواز الاستنباط حين تُطرح للبحث بالصيغة التي طرحناها لا يبدو أنّها جديرة بالنقاش ؛ لأنّنا حين نتساءل هل يجوز لنا ممارسة عملية الاستنباط ، أوْ لا ؟ يجيء الجواب على البداهة بالإيجاب ؛ لأنّ عملية الاستنباط - كما تقدم - عبارة عن تحديد الموقف العمليّ تجاه الشريعة تحديداً استدلالياً . ومن البديهيّ أنّ الإنسان بحكم تبعيّته للشريعة ملزم بتحديد موقفه العمليّ منها ، ولمَّا لم تكن أحكام الشريعة غالباً في البداهة والوضوح بدرجةٍ تُغني عن إقامة الدليل فليس من المعقول أن يحرم على الناس جميعاً تحديد الموقف العمليّ تحديداً استدلالياً . ولكن لسوء الحظّ اتّفق لهذه المسألة أن اكتسبت صيغةً أخرى لا تخلو عن غموضٍ وتشويش ، فأصبحت مثاراً للاختلاف نتيجةً لذلك الغموض والتشويش ، فقد استخدمت كلمة « الاجتهاد » للتعبير عن عملية الاستنباط . وطرح السؤال هكذا : هل يجوز الاجتهاد في الشريعة ؟ وحينما دخلت كلمة « الاجتهاد » في السؤال - وهي كلمة مرّت بمصطلحاتٍ عديدةٍ في تأريخها - أدّت إلى إبقاء ظلال تلك المصطلحات السابقة على البحث ، ونتج عن ذلك أن أجاب البعض على السؤال بالنفي ، وأدّى ذلك إلى شجب علم الأصول كلّه ؛ لأنّه إنّما يراد لأجل الاجتهاد ، فإذا الغيَ الاجتهاد لم تَعدْ حاجة إلى علم الأصول .